|
|
|
|
|
بفسحة في الذاكرة |
أهلي الأحباء..
أمي.. أم الشهيد.. أم هايل..
أخوات وأخوة الشهيد..
أنحني أمام هاماتكم، وأرفع التحية تمجيداً لجباهكم، وأعتذر من دموعكم، لنفسي
فسحة في الذاكرة أسير بها نحوكم متقمصاً روح هايل ونفس هايل وجسده. أحاول أن
أفتش في ثنايا روحي عن شيء يشبهه، وفي روحي عن حروف تماثله، تعبر عنه، تستحضره،
تعيد تشكيله وتصويره. وأفتش في الذاكرة عن خطواته الممتدة عبر هذا الزمن
الطويل، المرتحلة من الحياة إلى الحياة، لتعود وترحل من السجن إلى الحياة،
ترافق خطواته هذه مباعث الأمل. فحيث يكون هايل تتلون سماؤه وترابه وهواؤه
بألوان الطيف الممزوج بذلك الأمل. فالحياة عنده أمل يسير به نحو الحياة، والسجن
عنده أمل يرتحل منه نحو الحياة، فتمر خطاه فوق مناهل الحلم ومنابع الرؤى، تنقلب
فيها العتمة نوراً، والقيد فسحة لا حدود لها، تتحول فيها الأشياء الصغيرة إلى
عالم ممتد بين سور السجن وبين الشواطئ البعيدة، فلا تَقصُر مخيلته عن الارتحال
عبر النوافذ الصغيرة إلى العوالم الكبيرة، ويتمتع بوصف الأشياء الصغيرة على
طريقته العقلية، لتغدو كل شيء ذا معنى.. فالأمل والحلم إذاً هما هايل.. ليس هذا
وحسب فهو الموقف أيضاً. فلا يكون الأمل عنده والحلم تعابير عبثية محمولة على
أوراق صفراء تلهو بها الريح، إنما هي بذور تسكنها الحياة، ما أن تشتمَّ عبير
الماء ونسائم الهواء حتى تتحول إلى وارف من الظلال أوراقها وأغصانها. تتحول
الأحلام والآمال عنده، بمجرد أن يستحضرها في الذاكرة ويعكسها في الواقع إلى
موقف.. والإنسان موقف.. وهذا الموقف هو بصمة هايل الإنسان فوق الصخر، وصوته
الذي يتردد دون انقطاع في الفضاء الذي رحل عنه. هو موقف وهو فعل... فلا يكون
الموقف عنده هباءً منثوراً، بل هو فعل يتجسد في الحراك الذي يعيشه. فحيث يلمس
هذا الفعل يكون صاحبه هايل، لأنه يشبهه، ولأن له نكهته المميزة وملمسه المغاير،
وتأثيره الفاعل في الحدث. فلا يكون متقدماً متهوراً ولا متأخراً متردداً. هو
هايل الموقف والفعل إذاً، وهو الإنسان الذي جُسِّد في هذا الزمن. والزمن عنده
هو الامتداد المتوالي لمقاطع الحياة.. فكان يعشق الحياة، لأن جسده حي وفكره
حي.. وموقفه وفعله حيوات تستقبل هذا الزمن وتتوالى عبره .. فيحيا ليس لأجل
الحياة بحد ذاتها، إنما تتحول الحياة عنده بفعله وأمله إلى ذاك الموقف، فيوازي
بين الحياة وبين الموقف، ويعود ليحول الموقف إلى سعي نحو الحياة، فتكون رحلته
بين الأمل والحلم، والموقف والفعل، المتجسدة بهذا الإنسان إلى رحلة من الحياة
نحو الحياة، فيكمل بذلك دائرته الناقصة، فلا يقفلها. فهو مدرك بأن الارتحال نحو
الحياة هو جهد وانطلاق، ومعانٍ جديدة.
عندما وقع على مسامعي خبر استشهاده قلت إن أبسط واجب لي هو رسالة تعزية. ولما
عزمت على ذلك، قلت ماذا عساني أن أكتب عن رجل رحل، ونجم أفل.. ماذا عساني أكتب
عن تاريخ هذا العظيم وأنا لست بمؤرخ.. وكيف أصف هذا الإنسان العميق وأنا لست
بشاعر. وقلت إن هايل لا يكتب عنه كلاماً عادياً، ولا كلاماً مألوفاً.. إن مثل
هايل يكتب عنه فصول فلسفية، محاولةً لتكثيف شخصيته وعطائه وتضحياته. ورحت أفتش
عن الأسلوب وأنتقي المعاني والكلمات فكتبت ما كتبت، وفي جعبتي بعد غير ذلك...
فألتمس العذر منكم على أسلوبي المغاير غير المألوف، لأني وجدت نفسي لا أكتب
عزاءً ولا كلمات تلامس العواطف، رغم أني أمتلك الكثير منها نحو هايل.. وأنتم في
المقابل لستم في موضع استقبال الكلمات المرطبة، على أهميتها، لأنكم تحتاجون إلى
القيمة التي يتصف بها هايل، أكثر مما تحتاجون إلى المواساة... فعزاؤنا واحد،
وهايل يخصني كما يخصكم.. لذا كنت أخاطبكم بما يعني قيمته الإنسانية ومعانيه
العميقة التي تمتثل في الذاكرة.. وأكتب عن هايل بطريقة مغايرة لأنه مميز،
ويختزن في روحه وجسده وعقله امتدادات وأبعاد لا توصف بالكلمات العادية
والعبارات السائدة...
أذكر في هذه المناسبة الكاتب المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس، الذي فارق
الحياة بنفس المرض، وأذكر له عبارة شهيرة يقول فيها "إننا نحن البشر محكومون
بالأمل".. فتتداعى الأفكار برأسي عندما سمعت نبأ وفاة هايل وقلت؛ لقد انكسر
الحلم.. لماذا؟ لماذا بعد عشرين عام؟ لماذا بعد هذه المعاناة التي رافقتك يا
هايل، ورافقت أحبتك؟ لماذا بعد هذا الصبر المحموم نحو الحياة والانعتاق؟ لماذا
تركتنا بعد أن كنت تصارع الموت من أجل الحياة؟ لماذا تموت بعد عشرين عام من
الاعتقال؟ لماذا لم تمت قبل ذلك إذاً؟ لماذا لم تضع حداً لحياتك في أول
المشوار؟ كيف تتركنا وكأنك تقول لنا هذا مصيركم؟؟؟؟ أتوقف عن التفكير لأتذكر
مقولة ونّوس "إننا محكومون بالأمل"... نعم إنه حكم ملازم للإنسان ولا مفر منه..
كما أننا محكومون بالموت فإننا محكومون بالحياة.. والأمل حياة.. حتى ولو كانت
الظروف أقسى من ذلك، فالعظماء لا يحكم عليهم باليأس.. نعم ليس لليأس مكان في
حياتنا ما دام هناك الأمل.. والحلم.. فقد كان هايل محكوماً بالأمل.. لكن المرض
هو الذي أهلكه، وليس اليأس.. والمرض قدرٌ أحمق... وقد تركنا هايل لا ليقول هذا
مصيركم، بل ليقول لنا هذا أملكم، تمسكوا به، لأن الأمل في الحياة والحرية
مصيركم...
فنم قرير العين والقلب يا رفيقي، فأنت شمعة انطفأت وبقيت الضياء.. تتوافد شموع
أنت أضأتها..
وأنت صخرة تدحرجت من فوق جبل.. لكن الجبل ما زال قائماً، وقد رصفت أنت صخوره..
وأنت نخلة ماتت واقفة، لكنها بذّرت في الأرض حبوب الحياة الجديدة.. نم قرير
النفس يا نفسي، ويا عزة نفسي..فقد كنت رهين المقاومة والشهادة والأمل.. ويا
رفيق الزنزانة والقيد والوعد الآتي.. فأنت موجة تكسرت على الشاطئ، لكن البحر ما
زال يهدر.. وقد تركت بصمتك على صخور الشاطئ... نم قريراً أيها الحبيب.. ووداعاً
أيها الرفيق.. تحية لك...
أيها الأهل الأحبة يا أسرة الشهيد..
لم أتصور يوماً أن تمتد يدي لتلتقط قلماً، وتكتب فوق الورق بيان تأبين رفيقي
هايل. ولم أتصور لحظة أن أقف في حلقة العزاء لأتقبل المواساة برفيقي هايل.. ولم
أتصور لحظة أن أقطع الشرائط السود وأعلقها بنفسي على صدور الرفاق تعبيراً عن
حزننا وألمنا، وحداداً على رفيقي هايل... ولم أتصور أن أكتب رسالة تتحدث عن شخص
مضى ورحل.. فكيف بي وأنا أكتب عن رفيقي هايل... رغم هذا الألم سأبقى أكتب
عنه...
يا أهل الشهيد..
أعلمكم أننا قد أعلنّا الحداد على هايل ثلاثة أيام في القسم. وكان التزام
الشباب رائعاً لدرجة كبيرة، رغم أن غالبيتهم لا يعرفونه.
في اليوم الأول للحداد، جرت في ساحة القسم مراسم التأبين والتعزية والمواساة.
شارك في حلقة العزاء على مدار اليوم جميع نزلاء القسم، وقد قدموا واجب العزاء
لنا نحن رفاقه، ومن خلالنا لكم، بكل روح مفعمة بالألم والأسى والحزن والحسرة..
وأيضاً الأمل.. وقد فرضت أجواء الحداد نفسها على سلوك ونشاط وحياة الشباب. وكان
ذلك تعبيراً عن محبة الجميع له، وتقديراً لتضحياته ووفائه لقضيته وأرضه وشعبه
ووطنه. وتصلنا برقيات تعزية من أصحابه ورفاقه وأخوته، سنرسلها لكم تباعاً. ولا
بد لي من الإشارة إلى أن مدير السجن وبعض الضباط والسجانون الذين يعرفونه قدموا
واجب العزاء لنا، وهذا يذكر لهم.
وفي الختام أرفع التحية لكم مرة أخرى، وأنحني أمامكم، وأتمنى لكم الصبر
والسلوان.. فليرحم الله روح رفيقنا وليسكنه فسيح جنانه وليعيده للحياة من
جديد...
كونوا أقوياء لأننا نستمد القوة منكم..
وإنشاء الله تكون خاتمة الأحزان..
وإننا على موعد مع الأمل والحياة......
أوصي بالتالي:
أن يكون له ضريحاً مستقلاً. وأن يكتب على شاهده:
"هنا يرقد الشهيد هايل حسين أبو زيد
رهين المقاومة والشهادة والأمل
ابن الجولان 1968-2005"
تحياتي لكم
ابنكم سيطان الولي تموز 2005
|
|
|
|
|
|
|