|
الجولان
المحتل ---قراءه في معضلات الواقع
كفى عبثا بالمقدرات والانجازات الوطنية- جزء 1

اكتسب الجولان العربي السوري المحتل , أهميته السياسية , بكونه جزءا من
الوطن الام سوريا , لعدة أسباب وعوامل أساسية , جعلته يحظى بكل هذا التقدير
والاهتمام العالمي على المستويات السياسية والدبلوماسية والإعلامية , وذلك
من خلال:
التكوين الديموغرافي ... فقد نزح قسرا عن الجولان , ما يقارب أل 93
بالمائة من سكانه البالغ عددهم بحدود 150000 , نتيجة للعدوان الإسرائيلي
على سوريا في الخامس من حزيران عام 67 وما رافق
و استتبع هذا العدوان من حيثيات ونتائج على المستوى الإنساني والسياسي
والعسكري, وما نشأ من
ضرورات وواجبات وطنية دفعت بالباقي من سكان الجولان إلى تحمل أعباء النضال
ضد الاحتلال الغاشم
حفاظا على الأرض والعرض والانتماء للوطن الأم سوريا وللأمة العربية, فقد
أُختزل الوطن بالعشرة
آلاف مواطن بقوا تحت الاحتلال , حملوا على كاهلهم مسؤولية عظيمة تمرسوا
عليها على مدار الأحقاب
التاريخية السالفة , فكان واجباً عليهم الدفاع عن عروبة الجولان وعروبة
المواطنة السورية لأنفسهم,
والتشبث بالأرض التي هم عليها , ومن خيرها يأكلون , ومن ماءها يرتوون, وفي
ترابها يدفنون, وفي
سبيل الحق يمضون دون أن يأبهوا بأرواحهم وحريتهم كرمى لها . فإن الجواب على
السؤال الخاطئ:
لماذا لم ينزح (الدروز) عن الجولان ؟هو نفس الجواب على السؤال الصحيح :
لماذا بقي هؤلاء العرب
السوريون في ارض الجولان رغم الاحتلال ؟!!
العوامل النضالية الموروثة والمتكونة... فقد عهد سكان المنطقة النضال ضد
الاستعمار العثماني , ثم الاستعمار الفرنسي, وتشكلت لديهم تجربة عميقة
وواسعة من أساليب مقاومة الاحتلال , ومتمرسة في
الحفاظ على الانتماء للوطن والأرض والشعب , كانت الأساس الذي تكوّن وُبني
عليه نضالهم ضد الاحتلال الإسرائيلي, ورفض قانون الضم , ورفض التجنيد
(الإجباري والاختياري) ,وكذا رفض تبديل الهوية (الجنسية)العربية السورية.
وبات سكان الجولان مضرب الأمثال في تحدي الاحتلال على قلة تعديدهم وانعدام
عدتهم إلا ما ملكوا من قوة الإرادة والعزم والإيمان .
وحدة الموقف بالقول والفعل : لم يكن صدفيا أن يجتمع أهل الجولان على قول
واحد وفعل موحد في
مواجهة قرار الضم والإلحاق الصادر عن الكنيست الإسرائيلي في 14-12-1981,
والإعلان عن الإضراب الكبير في 14-2-1982 , تعبيرا عن الموقف الوطني الثابت
, والموقف النضالي المتأصل في حياة وتاريخ جماهير الجولان . فقد أُعلن
الموقف النضالي ضد الاحتلال منذ اليوم الأول لإحلال الجولان ودخل المعتقلات
العشرات من المناضلين بتهمة مقاومة الاحتلال, وبذلك أُرسيت أخلاقيات
الانتماء وقيمها, وقواعد السلوك الوطني المتجدد, ليكون الأساس الذي يرسم
معالم وافق المستقبل في كيفية التصرف تحت الاحتلال ومع إجراءاته التعسفية
وقوانينه الجائرة. فكانت الوحدة في الموقف قولا وعملا الركيزة الأساسية في
نجاح الإضراب وما تلاه من أعمال المقاومة والنضال المستمر على ذات الطريق
والى ذات الهدف.
المصلحة الوطنية المشتركة: إن الفعل والعمل النضالي يرتكز أساسا على
التفاني الذاتي من الكل لأجل
الكل , وهذا من اجل المصلحة الوطنية المشتركة , على قاعدة الانتماء للوطن ,
والحفاظ على الأرض والهوية والكرامة الوطنية , ولم تكن المساهمة في العمل
الوطني يوما , لأجل المصالح الذاتية الضيقة بالعموم , وان لم تخلو منها في
بعض الحالات. ولم تصل الأمور بالأسرى المحررين إلى المطالبة بالعيش الكريم
لأنهم كانوا نسبيا يعيشون حياة كريمه , ولم يعطى يوما ما يحق إلا لمن يستحق
.
التكافل والتعاضد الاجتماعي : وهما سمتان رافقتا السلوك الحياتي لجماهير
الجولان في جوانبه
ألاقتصاديه والنضالية , من خلال المؤازرة والتكاتف وحماية الأرزاق
والممتلكات , وغيرة الفرد على الجماعة , وحماية الجماعة للفرد, وتوفير
الأمان له.
القيادة الجماهيرية : لقد توفرت آنذاك قيادة جماهيرية صادقه ومخلصه للوطن
والقضية , ومخلصة
أمام الجماهير , الذين هم الأساس في الفعل الوطني الحاسم , وسادت المصداقية
والشفافية والصراحة وتبادل الرأي والمشورة بين شتى الأطراف , ولم تكن هناك
صلات شخصية بين الجزء المحتل من الجولان وبين الوطن الأم.
الموقف الحازم : امتاز الموقف الوطني في النظر إلى رفض دولة الاحتلال
وقوانينها, من جهة , والى
الانتماء للوطن الأم سوريا , من جهة ثانية , والى الوثيقة الوطنية وما
تحتويه , من جهة ثالثة , امتاز بالحزم وقوة الشكيمة , والقطع البت في
الأمور التي لا تقبل التأويل ولا التنازل ولا التهاون ولا التلاعب , فلم
يجلس أذناب سلطة الاحتلال في مجالس الرجال , ولم يكن لهم أن يدلوا حتى في
رأي في القضايا البسيطة ناهيك عن الأساسية . ولم يكن الاجتهاد في التعاطي
مع تلك القضايا إلا فيما لا يضر بالمصالح الشخصية ولا المصالح الوطنية
العليا, وفيما يجيزه القانون الدولي في التعاطي بين سكان الأرض المحتلة
ودولة الاحتلال.
الثقة المتبادلة بين أبناء الصف الوطني الواحد : فكما كان ينظر الفرد إلى
نفسه , كان بذات الوقت ينظر
إلى غيره , إلا فيما أعلن عن نفسه قولا أو عملا , يخرج نفسه فيه عن الإجماع
الوطني العام, وكانت صيانة الفرد وشرفه والدفاع عنه من السمات المميزة في
العلاقة بين الأفراد, واعتبر إن ما يمس الفرد هو مس بالجماعة
الروابط الاجتماعية : سادت الرابطة الاجتماعية القائمة على الانتماء
للوطن والأرض والهوية
والتراث الوطني المشترك , وتم القفز عن الانتماء العائلي والسياسي والشللي
, وكان الأفراد والجماعات والعائلات تعمل على طريق واحده , وان تعددت
الأساليب , وتعمل لهدف واحد وغرض واحد, وان تعددت الأهواء.
لم تكن آلة التلفون والفاكس موجودة .
لم يكن الفساد مستشريا في مؤسسات الوطن .
لم يكن الفاسدون والمفسدون في مواقع المسؤولية.
لم ينظر الشرفاء والمخلصين إلى مصالحهم الخاصة ولم يطمع أي منهم إلى
اقتسام الكعكة .
لم يرفع عميلا عينه في وجه مناضل , ولم يتدلى رأس مناضل فوق رقبته.
هكذا كانت صورة الجولان وأهله وهكذا نأمل أن تكون عليه , أما لماذا وصلنا
إلى ما وصلنا إليه ؟!
فما عليك عزيزي القارئ إلا أن تقرأ هذا المقال بالمرآة.
- الجولان
المحتل ... قراءه في معضلات الواقع
كفى عبثا بالمقدرات والانجازات الوطنية -- ج2
بدأ العمل النضال الوطني في الجولان منذ اليوم الأول للاحتلال, على شكل
مجموعات وخلايا سريه مارست المقاومة بأشكال مختلفة , كل حسب إمكانياتها
وأساليبها المتاحة . ولم يتحول النضال إلى طابعه الجماهيري العلني , إلا في
العام 1982 مع الإضراب الكبير الذي أعلن ضد قرار الضم , إذا ما استثنينا
ألمظاهره الجماهيرية يوم وفاة الراحل جمال عبد الناصر عام 1970.
وعلى قاعدة الإضراب وانجازاته, تأسس العمل النضالي الجماهيري العلني الدائم
, من إحياء المناسبات الوطنية, بدءاً بالذكرى الأولى للإضراب , فذكرى يوم
الجلاء العظيم, فذكرى يوم الشهداء, وغيرها من
المناسبات الوطنية والقومية والاجتماعية.
واتخذ النضال الجماهيري شكله المقاوم ضد مشاريع الاحتلال وخطواته الهادفة
إلى تكريس قرار الضم وملحقاته في أكثر من شكل وعلى مدار سنين طوال , للحفاظ
على عروبة الجولان وأهله , وانتماءهم للوطن الأم سوريا.
فهل استعجل أهل الجولان فيما يتعلق بإحياء المناسبات الوطنية؟!
فقد اعتادت الشعوب إحياء مناسباتها , بعد انجاز الأهداف وليس قبله,وليس
خلاله, خاصة وإننا لا نزال تحت الاحتلال , ولا يزال أمامنا الكثير لإنجازه,
فلماذا تصرفنا في سلوكنا الوطني وكأننا تجاوزنا كل العثرات التي تواجهنا ؟
لم يكن امرأ خاطئا أن نحيي مناسباتنا الوطنية , عندما كانت تبعث فينا وفي
الأجيال الصاعدة الروح الوطنية الصادقة, البريئة, المخلصة. خاصة وأنها كانت
فرصة لتعزيز وتوطيد الروابط الاجتماعية , وتعميق المحبة بين الناس. لكن أن
يقتصر نضالنا على عنوان واحد , هو الأمر الخاطئ, وان تستغل هذه المناسبات
من البعض لأغراض وغايات شخصية ضيقة , أظهرت فيها انتهازيتها واستغلالها
للموقف العام . هو الأمر الخاطئ , الذي كان له الأثر السلبي على مجمل
الموقف , وأثره التخريبي على الأجيال الصاعدة , التي لم تجد شيئا صالحا
تتوارثه لتقوم بمثله , أو أفضل منه.
أن الخلافات التي بدأت تتراكم بشكل سريع دون أن يتم تداركها ووضع الحلول
لها , أفضت إلى شكل أخر من الصراع بين الأطراف الوطنية .
فمن جهة , برزت قوة سياسية وطنية , لها رؤيتها الخاصة من مجمل المواقف
والأهداف الوطنية , وأدلت باجتهادها , فيما تراه صحيحا ومفيدا للجولان تحت
الاحتلال, واعني الجمعية العربية للتطوير ومن يتحلق حولها ويسير بفضائها
–إذا جاز التعبير-أو من يتفق معها بالرؤية والأسلوب. وأطلق عليها من الخارج
اسم " المعارضة ", فما كان منها إلا أنها صدقت هذه التسمية واستهوتها لعبة"
المعارضة" لأنه بالمفهوم والممارسة السياسية رفعت من شانها , ليس لأنها
كذلك , وليس لأنها بحجم المعارضة, إنما ليعاد ويسحب البساط من تحتها . فهوت
, وتعرضت إلى الانكسار,فقد أخطأت هذه الفئة الوطنية من المجتمع, في تقديرها
لنفسها , وأعطت لنفسها حجم المعارضة , ومارست عملها السياسي على أساس ذلك,
وهي ليس كذلك!
ومن جهة أخرى, وبالمقابل ظهرت قوة سياسية وطنية , لها رؤيتها الخاصة أيضا ,
حافظت من خلالها على النهج التقليدي السائد, فيما تراه النهج الصائب
للجولان المحتل والمصلحة الوطنية,واعني القوميين عموما "والبعثيين" على وجه
الخصوص , وأطلق عليهم , من الخارج أيضا اسم" الموالاة" , وصدقت لنفسها هذه
التسمية , ونراها استهويت لعبة " الموالاة" , ورفعت هذه الصفة من شأنها ,
وأعطتها مكانة عالية الشأن لدى فئة ضيقه من المسؤلين في الوطن, ليس لأنها
"موالاة" بالمعنى الوطني , إنما بالمعنى السياسي, وتعرضت هي الأخرى إلى
الانكسار والتفتت, وذلك لأنها أعطت لنفسها حجم "الموالاة " , ومارست عملها
السياسي على أساس ذلك, وهي ليس كذلك!
تعرضت الوحدة الوطنية على ضوء هذا التحليل , إلى شرخ كبير , نتيجة الصراع
الذي تولد عن موقف " المعارضة"من جهة , وموقف "الموالاة" من الجهة الأخرى,وتمترست
كل فئة وراء موقفها , وراحت كل فئة تبرر سلوكها وأدائها السياسي ,ليس وفقا
لمعاير وطنية سياسية عامه, إنما بالقياس مع سلوك وأداء الفئة الأخرى, طرف
الصراع أو الخلاف وهنا أيضا تعرضت الوحدة الوطنية إلى انكسار نتيجة تداعيات
هذا الخلاف, الذي تحول إلى صراع, بعد أن ظهر مصطلح التخوين في الخطاب
السياسي للطرف الثاني . مما زاد في تعمق الشرخ الوطني , حتى بات غير قابل
للالتحام من جديد-إلا في ظروف ومتغيرات سيحملها لنا المستقبل-, وعند هذا
المفترق , وبينما كان يعمد إلى تجاوز مرحلة التخوين - غير الناجحة على
الوجهين – ظهرت فئة ثالثه, مستغلة شعار " لا للتخوين " وجلست في الصفوف
الأمامية , واعني بهم , أُولئك المتذيلين لسلطة الاحتلال, والذين لم
يساهموا يوما في صنع الموقف الوطني , وبعضهم من العملاء والمأجورين
والطفيليين دون مواربة, تهدف إلى تزعم قيادة المجتمع, وهذه الفئة أيضا
ستتعرض إلى الانهيار والفشل لأنها بطبيعتها فئة معزولة, انتهازية , تسلقت
على الموقف الاجتماعي في ظل تشرذم وتفتت الموقف الوطني.
في السياق ذاته حيدت فئة واسعة من الجولان نفسها, عن المشاركة والمساهمة في
مواصلة العمل السياسي النضالي , لعدم رغبتها بالدخول في هذه " اللوثة", وهو
موقف وطني سلبي, بالمعنى السياسي,
وموقف تطهري بالمعنى الاجتماعي.ويعيش قطاع واسع من مجتمعنا حالة من الضياع
واللامبالاة إزاء الوطنية والانتماء للوطن , وهم من الجيل الصاعد الذي لا
يجد أمامه النموذج الوطني الصادق—بالرغم وجوده—ليقتدي به , هذا من جهة ,
عدا عن أن المسألة الوطنية برمتها , ليست من اهتمام البعض, وبلغت الأمور
حدا يعيب عنده على كون هذا الشخص مناضلا, أو أسيرا سابقا.وباتت الوطنية
مسبة يستخدمها للدلالة على الصفات المشينة , وكل هذا بسبب تصرفات وسلوك
وممارسات بعض الأشخاص المحسوبين على الصف الوطني, الذين استغلوا موقعهم
لمصالحهم الشخصية ألإنتفاعية, فصورت الوطنية على الصورة السلبية , في حين
إنها براء من كل من يستغلها ويتسلق على سُلمها, فيجب الفصل هنا بين الوطنية
و الوطنيين, في الحكم على الوطنية, إذا كان الوطنيون, انتهازيون.والربط
,إذا كانت الصورة معكوسة , وتبقى الوطنية والوطن والأرض والشعب في أبهى
صورتها رغما عن كل المغرضين.
سيطان نمر الولي
9/7/2009
|