من نحن أضف الموقع للمفضلة الصفحة الرئيسية إجعلنا صفحتك الرئيسية  
 
مسيرته النضالية رفاق الدرب صور موسيقى قصائد رسائل تعزية مقالات مواقع
باب الحارة برؤية أخرى

كلنا سمعنا بالمثل الشعبي الذي يقول "من يطرق الباب, يسمع الجواب". وبما أن الأمثال ليست إلا جزءاً من خلاصة تجربة الشعوب عبر التاريخ, وحصاد مُنقى من الزوان والشوائب, وثقافة بيداغوغائية حملت عبق الماضي الصافي, فن الحياة ونغماته , ووضعتها كثروة إجتماعية مُأممة في أغلبها.... أمام الأجيال المتعاقبة. للإستفادة منها , لإحياء ولنهضة التوافق الإ جتماعي... لكن هذا التوافق إن دام طال وبقي – كما ذكرت في مرات سابقة- على نفس الوتيرة فأنه يخدم الأقوياء ومُقلدي الحكم, إلا أننا نستطيع تجنيد وتوظيف هذه المنظومة الثقافية المُتعاقبة للإطلاع عليها, وللحد ممن يُحيك لنا الحياة على شاكلة ثوب منسوج من خيوط مُسلية , تتناسب ومزاج مُصممه وفي ذات الوقت فأنَّ هذه الخيوط ذات رؤوس سامة, تقتل بنا روح الكفاح والجماعة التي من سماتها خدمة الجماهير ورفض ما يملي عليها بالقوة والخداع .
بناء عليه عقدتُ العزم, وسمحتُ لنفسي بإستعمال هذا المثل لأطرق "باب الحارة" كعينة رئيسية متسائلاً عن الدوافع غير الظاهرة, والقوى المُحركة أو المُستفيدة من وراء عرضها لأن السؤال حتماً يشكل حافزاً ودافعاً للبحث عن الجواب.
وكما أسلفت فأن قبول الواقع على أنه واقع ثابت ومقدس لا يخدم سوى بقاء سلالة المُنتصرين, الحكام والمُتسلطين في مواقعهم, ومسلسل باب الحارة هو عبارة عن مقاطع وصور درامية – ليست عفوية أبداً- تلعب هذا الدور. أنفق من أجل صناعتها "جهوداً جمة" لتُثبت الواقع الاجتماعي التي تنتجه في ذهن المشاهد على أنه القيمة والمعيار الاجتماعي الشرعي. ومن لا يقبل هذا الواقع المرسوم بدقة وبكفاءة يتعرض لمُساءلة ولملاحقة إجتماعية تصل حتى الإتهام بالخيانة والخروج عن الإجماع.
إذاً: من يستطيع الخروج عن حكمة "أبو شهاب" ؟؟ الذي صُور على أنه الواحد الوحيد, القادر, الجبار, الرزين, الحكيم, المتسامح, الكريم..... وبعد ... هل هذا مقصود ؟؟!!!!
هل لأبي شهاب بديل في قيادة الحارة؟؟ هل تُحاكي صفاته الواقع؟؟!!
يقول شاعر أكابا "المرايا تُريك ما هو خلفك أيضاً" ماذا يرى المُشاهد خلف تصوير الصف الثاني في الهرم الإجتماعي الذي أنتجه لنا بسام الملا؟ كلنا انتبهنا إلى تمركز القوة الاجتماعية, السياسية والاقتصادية السيطرة عليها والتحكم بها في أيدي رأس الهرم, وبأيدي الصف الثاني المتمثل " بعضوات الحارة" ... هل بالصدفة كان توزيع الأدوار على هذه الشاكلة؟؟ لماذا مُقفلة الطريق أمام العامة لتمنطُق أي من هذه المناصب ؟.
هل يوجد علاقة بين ترقية " مسَلَم" عامل القهوة وانحناؤه الدائم أمام معلمه "أبو حاتم" ؟ ... أم كرم أخلاق من أبي حاتم؟... أم لمصلحة تتعلق بأبنته مُطيعه؟... اسم الله, اسم على مسمى...
هل تجرأ أي من نساء الحارة الوقوف أمام الحنكة والكاريزما التي تتمتع بها سعاد زوجة "أبو عصام" وشقيقة " أبو شهاب" ؟ ما هي العناصر التي اكسبها أياها المخرج لتبدو كما بدت؟
هل الحسد هي الصفة التي آلت الى إنزواء ووحدة "فريال" اجتماعياً؟ أم هنالك غاية أخرى؟
ماذا قدم أهل الحارة "لأبو غالب" ؟ أو ما هي الدوافع وراء تحركه لمحراك شر ؟
والسؤال الأخير ... هل حقاً كل المصائب سببها الغريب؟ ولماذا عند كل أزمة أو ضائقة اجتماعية , سياسية أو اقتصادية داخلية يتسلط الضوء على الغرباء عامة, وعلى الاستعمار خاصة ضمن عقلية المؤامرة؟ إلى متى سيُستعمل شبح الغريب لقمع أفكار وقدرات أبناء الحارة؟؟
هذه الأسئلة تستحق النظر بها ملياً وبعمق – حتى أن غاب عن وعينا الأسباب السياسية الكامنة بمثل هذه القصص_ دون تجاهل قدرة الشاشة الصغيرة على شرعنة صناعة الأساطير, القيم والمعايير الاجتماعية. حتى أنَّ ما تبثه الشاشة بات يُمثل لنا القدوة والمثل الأعلى, ونقيس من خلال ما تعرضه وتقدمه , بوعي أو بدونه, ما هو الصواب وما هو الخطأ, لهذا مثلاً فإن عارضات الأزياء اللاتي يزنَّ خمسين الى خمس وخمسين كغم هنَّ المثل الأعلى ومعيار الجمال .... هل أحد يجرأ وبشكل علني معارضة هذا المقدس المُنزل؟ أن طرح أحدٌ غير هذا المعيار فبالطبع سيُنظر عليه على أنه جاهل, متخلف وذو ذوق سخيف ومُنحط...
إنتشار هذا الوباء المُعدي (أبيديمية) – الذي يجسد الأيديولوجيا الرأسمالية من خلال صِّيغه ومعادلاته الدرامية والكوميدية التي تبث إلى المشاهدين بصفتهم مُتلقين سلبيين لهذا الكم المؤدلج من الصور والتأثيرات .... يجني أرباح خيالية على المستوى المادي , وعلى المستوى ألقيمي والثقافي, وهو العنصر الجدير بالتيقظ ... من ناحية أخرى.
ضمن هذا العَيِّ الذي يُحاكي الواقع المُبتذل بجوانب كثيرة, فإن إنشدادنا إلى مثل هذه الدراما ليس إلا حنين نوستالجياً, وجوعاً اجتماعيا قلصته الحياة المُعاصرة, وجعلته نادراً نهرول خلفه دون إدراكه ولمسه, ودون إدراك ومعرفة خفاياه . ولكن الذي لفت نظري , ونال حظوة في عيني عدا الطبقية والأبوية هو كيفية إنتاج أبطال جدد, فقد كان دور "أبو حاتم" وعائلته هامشياً في الجزئيين الأول والثاني, لكن حاجة المخرج لخلق عناصر جاذبة ومُحفزة في الجزء الثالث ... بشرط أن تكون مُرتبطة شرطياً مع الإسهاب والتسلسل بالأحداث السابقة... فكان عليه تسليط أنوار الكاميرا بإتجاهه شخصياً , وبما أنه أنفق بعض الطاقة بهذا التوظيف الجديد لخدمة مشروعه وقصته فأنه وفّر لي بالمقابل نقطة حوار أخرى تستحق إنفاق بعض الطاقة والعناء للخوض بحيثياتها التي تشبه إلى حد بعيد عملية الخلق (بروكولاج) التي يمارسها أصحاب السمو والجلالة !!!؟؟
في بعض الأحيان فجأة تُسلط الأضواء على شخص ما يخدم مشروع المخرج والمحرر صاحب السمو. يُكبر هذا الخادم على الشاشة, يُعصر ومن ثم يُرمى به أو يُهمش أو يلقى مصيراً آخر...؟؟
فخلق الأبطال في المسلسل لخدمة المشروع لم يُذكرني إلا بصناعتها في الوطن... أنا لا أتضامن ولا أتشفى بأولئك الأبطال المبتّكرين ولكن قلبي الرهيف لا يسعني إلا أن أشفق , بكونهم أداة.
فإن صياغة مبنى المقالة السياسية الاجتماعية الحديثة يسمح بالخروج عن النص قليلاً بشرط أن يكون الخروج عنصراً خادماً لمبنى المقالة. لهذا سأتطرق للمصطلح الذي وضعه
(Mills 1959) وهو "الخيال الاجتماعي" أي منظومة التفكير المطلوبة لفهم استمرارية العلاقة القائمة بين حياتنا الاجتماعية وبين العالم السياسي. فيُظهر "ميليس" من خلال مصطلحه حاجة البشرية الدءوبة لتنمية قدرتها على فهن منظومة التفكير تلك لئلا تشعر بالانكفاء على الذات, والضياع داخل كيان سياسي عالمي مركب يفقد الرحمة.
لو بوسعي سؤال ميليس هذا , لماذا أناس كثيرون لا يستطيعون أو لا يرغبون بالإجابة عن أسئلة سياسية بسيطة جداً مُرتبطة بحياتهم مباشرة, كما طرحتها خلال هذا النص ؟ فأجزم بأنه سيجيبني بأن السبب هو فقدانهم الخيال الاجتماعي الذي بإمكانه- أن حل- مساعدتهم بفهم ما الذي تُغيره معرفة الحقائق بواقعهم, بكلمات أخرى لو يتضح ما النتائج التي تُسفر عن التغيير فأنهم سينّمون هذا الخيال الاجتماعي.
تطوير خيالنا الاجتماعي يكمن بالحوار العام, بالمطالعة, بالتفاعل الاجتماعي بأشكاله العديدة وحين أكتب العديدة لا أستثني حتى المواضيع والقضايا اللا سياسية. لكن العقدة تكمن بفقداننا منتديات للحوار, والأسوأ عدم تثميننا لقيمة هذه المنتديات التي تُنمي آفاق الخيال, التعاضد والوعي الاجتماعي . حيث سرعان ما تُترجم هذه القوى الاجتماعية إلى قوة تخدم تطلعاتهم وغاياتهم, وتعالج الفردية والخضوع اللتيّن صنعتهما الأنظمة عامة والنظام العالمي خاصة بهدف الاستمرار باستغلال الشعوب وعدم إعطائها حقها المسلوب.
فمشاهدة الدراما والكوميديا بأشكالها تتم على نطاق ضيق جداً, وبغالبيتها داخل غرف خاصة, ولكل فرد شاشته مما حدا به في أن يحوّل بين الحوار والتفاعل الاجتماعي المفروض أن توفره اللقاءات والمنتديات بأنواعها ( الثقافية, الرياضية, الترفيهية, الدينية, السياسية والاقتصادية). والتي بها يُشكل ويُبنى المجتمع المدني القادر على صناعة غده أو المساهمة بهندسة غده فعلياً كما نشاهده, نفهمه ونستقيه من تجارب شعوب أخرى.


الأسير كميل خاطر
سجن الجلبوع



 
هل ترغب في إرسال تعليقك ؟ إضغط هنا