|
|
|
|
المنسي
.. قادم إلينا .. فاستقبلوه

أطلق العنان لحصانه ودون إذن أقبل علينا.
وجسده فوق السرج مثخنا بإبر الأطباء قال: " أنا المنسي قادم إليكم، مثل
زوبعة تنبش الذاكرة, وكما الشهب تضيئ الأرض، أضيئ أنا ثم أختفي".
قلت: من جاء بك يا ابن حزيران المشمس، أهو الله؟ أم خيمة الاعتصام؟ أم ملف
الأسرى فوق الخشب المنحوت
من شجر الكرز ، أم غزوة من غزوات الفقيه في بيروت؟
قال:" أن الله لا يستجيب فوق هذه الأرض لصلوات الضعفاء .. وكي لا يلتبس
الأمر عليك اعلم أن الله يؤجل الأمنيات".
ثم أكمل:
" دعك من السؤال واتبعني.. ولطم بطن الحصان بقدمه .. فسألته وأنا أمشى
بمحاذاته: " لم يمض على غيابك سوى أربعة وعشرين عاما. فلماذا بكرت القدوم
مثل فجر لا نعرف كيف نغسل وجوهنا في نوره ، وكيف طاوعك قلبك؟
العودة دون عاصم ووئام وشام وكميل، ودون جولان ولؤي ونديم ، ودون صدقي وبشر"
.
لم أكد أكمل جملتي، حتى شد لجام حصانه الذي تسمر في مكانه. ونظر إلي نظرة
عصفور كسرت عاصفة جناحه.
وتزامن أن لمعت قطرات ماء فوق خده حين قال:" لا تسأل كيف طاوعني قلبي،
وإنما اسأل كيف سأعيش
دون همسهم ، وكيف تستقبل عيناي شروق شمس ، ومن أمام عيونهم التواقة للحرية
الشمس غاربة".
ثم حث حصانه نحو خط وقف إطلاق النار حتى وصل . سألني وقد تعبت من الجري
خلفه
حتى امتزج صوت لهاثي بصوت صهيل الحصان: " صف لي ماذا ترى".؟
أجبته :" إني أرى فراغا وأسمع صوت ريح غضوب "
رد علي : " حدق أكثر.... ولتكن عيناك عيناي, فإني لم أتعود رؤية الضوء مثلك".
قلت:
" إني أشاهد منصة وميكرفون وخطيب .. وهناك فوق العشب اليابس يجلس رسام من "
مركز فاتح المدرس " درس في كلية الفنون في دمشق ... أراه يرسم طائرا مقيدا
صغير
تمنعه قوات الأمم المتحدة من العبور إلينا.
وهناك أيضا تحت شجرة تين.... ثمة امرأة تلوح بمنديلها لظل ابن لم تره منذ
أربعين عاما".
والريح ماذا تفعل,؟ سأل بغمغمة حزينة تقطر من دمه .
أجبته: " الريح تحمي العصافير الهاربة من حبر الهدنه المتجدد.. وتعبث
بفستان سيدة من الجولان
وتداعب فخذين تغضنا مثل ساق شجرة لوز عطشى... ملت من وعود نهر ماء لا يأتي".
قال وهو يتمايل فوق حصانه مثل نسيم لامس غيمات مرت تحت مغيب "
"أعطني ميكرفون الخطيب، واطلب من صوته المبحوح أن يتنحى ".
أعطيته ما أراد وسمعته يهذي مثل صوفي أعياه الرقص في حضرة حبيب.
" بلدي, أنا عاشق مفرط بالهم..جئت أعاتب.. ومن شدة هيامي فيك .. أسامح...
فأن الدم الذي ينز من بدني, طيبا يصير وقت ألقاك. " ثم أكمل موجها كلامه
إلي:
"إذا كنت قد تعبت من المشي فاختر حمارا وسر معي لتدلني لزقاق يوصلني لحزينة
البيوت ، فقريتي تغيرت وضاعت ملامح الأزقة".
اخترت حمارا ركبته... تبعني .. فدللته.
وقبل أن... .. وبعد أن..... نظر إلي وفي عينيه رماد، برق جمرهما .وما لم
يقله بصوته سمعته بصمته:
" يا دليلي، ها نحن صرنا مثل فارسين خرجا من رواية كتبت في حدائق الأندلس .
.. ها نحن صرنا مثل وهم يدافع عن
قلاع سقطت قبل أن تبنى".
وقبل أن .....وبعد أن ...غرس رايته بحوض الزهور، وأمام حاكورة البيت عن
خيله ترجل، قطف من مسكبة صغيرة أوراق نعنع فركها بيده ورشها معطرا جسده....
رأته... اقتربت..تفحصته... اقتربت .. تيقنت أنه هو.. ركضت .ومثلما هو عن
خيله, من عينيها لؤلؤ ترجل...حضنته، شمشمته، قبلته..
وسألت :" مهجتي , يا عمر أمك ,لماذا تحمل ملاكا فوق كتفيك؟ ألا يثقل الله
بهذه المهمة عليك؟".
وانتحبت حين شمت فوق الجرح رائحة النعنع: "..هل أنت جائع ..؟ ماذا أعد من
طعام فوق مأدبتك؟"
قال وهو يلثم نقابها الأبيض " خبزا مشوي على الصاج وحبات زيتون وزبدية لبنة".
قلت له :" لا تجهد العجوز فأمك "ختيرت" وكبرت ، ويداها لا تقوى على سلق
القمح وعجن الطحين .. وإن
كنت جائعا فكل هذه " البيته" إنها من خبز اليهود .. ستكره طعمها، ولكنك
ستتعود، إن مذاقها صرنا
نحن نستطيب".
قال: وأبي أين هو؟
قلت: "إنه هناك هل تذكر المرج , وشجر التفاح ... هناك هو يقطع الجذوع ....
التفاح مكلف ومتعب وسماسرة
العبور عند القنيطرة يرمون لنا بالقروش ....ثم أكملت :" أتسأل عن أبيك؟..
والدك سيبكي حين يلقاك ".
ويقول: " صغيري ماذا اقترفت يداك، لتنال هذا المصير؟".
سأل وقد التفت إلي معاتبا .. ربما غاضبا .. وقد يكون ساخرا : " وأنت من
تكون؟".
أجبت: " أنا ابن جيلك وابن صفك. هل تذكر كيف كنت تمدني بقصص جرجي زيدان؟.
وبعد كل رواية تسأل ماذا أنا فهمت ؟ . وكنت أجيبك بأن تاريخنا حاكم يجلد
معارض، وحبيبة تبحث عن حبيب ".
وكنت تبتسم وتجيب : " مازال الحلاج في نيسبور على شجرة مصلوب ، ومعاوية
مازال في الشام يشد الشعرة".
قال: " أنا لا أتذكرك " قالها وفي نبرة صوته سخرية ما, ثم امتطى صهوة
الحصان وكأني بيه عائد من حيث أتى
صحت فيه : " لا تذهب . أننا أعددنا لقدومك استقبال مهيب فيه عشرون مظاهرة
وعشرون علم ونذور عدة لدى الأنبياء".
قال : " كنت أرجو أن أرى عشرين طفلا وعشرين عود , وعلما واحدا لا غير " ثم
وشوش حصانه وانطلق
صرخت: " إلي أين؟".
قال: " إلى المقبرة.. .. ثم أكمل لا تخشى علي من الموت ... فأعدوا لي ما
شئتم من طقوس بهجتكم , ومن رقص الكلام في الفضائيات ، وامدحوني في مجالس
التجمع وقاسيون والرابطة، وفي ونادي الحرية والنهضة والطليعة والشباب .
واحكوا عني مثلما الحكواتي كان يحكي عن الزير وعنترة... ولكن.. دعوني أنا
العائد لأعيش بينكم , أن أقرأ الفاتحة في محراب الهلالي أبي زيد".
داوود الجولانيِ
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|