من نحن أضف الموقع للمفضلة الصفحة الرئيسية إجعلنا صفحتك الرئيسية  
 
مسيرته النضالية رفاق الدرب صور موسيقى قصائد رسائل تعزية مقالات مواقع
 الدجاجة باضت بيضات

حثها على الإسراع قائلا: "لقد بدأ الناس في السير نحو المجدل." فردت :"حسنا أني قادمة سأدخل الدجاجات إلى ألقن.. ولكن هذا الديك المنحوس يرفض الدخول. ".. رشت حبات من القمح في ألقن بعد أن خبطت بقدمها الديك فقفز داخلا ألقن. ثم أكملت:" أنت أنقر هناك" أما أنت فاحمل أخاك واسبقني."
" الكون يحترق من حولنا وهمك الدجاج " قال في نفسه موجها كلامه لامه, وحمل أخاه وسار مع الهاربين من صوت الطائرات
وقصف المدافع بينما علا نحيب أخيه في السماء.

ساروا عائلات صاعدون تلة باب الزقاق أو "صدر العروس "كما يشتهي البعض تسميتها. هو حامل أخاه ابن السنة الذي لم يكف عن البكاء.... جلسوا يرتاحون تحت أشجار التين واللوز المنتشرة حول بركة رام .. حاولت أمه إرضاعه
إلا أن الحليب القليل الذي نزل من ثدييها لم يفعل سوى أن خفف من بكاء الطفل.

كانت الحملة اليهودية قد توجهت صوب المجدل عن طريق بانياس وحملة أخرى عبرت جسر بنات يعقوب.متوجه نحو جنوب ووسط الجولان
ولم يمض على نزوحهم للمجدل سوى ثلاثة أيام حتى بدئوا يسمعوا أن اليهود يقتربون من
سفح جبل الشيخ.

كان الغضب يكوي صدره وهو يسمع أن اليهود يتقدمون بسرعة . ويزداد غضبه لأنه يحس انه ضيف ثقيل على العائلة التي حلوا بضيافتها هو وأمه وأخيه .
وفي حديث همس به لامه "أن هذه العائلة بالكاد تطعم أولادها فكيف ستطعمنا؟.." وهمس بكابة لو أن أبي يأتي من دمشق لخفف عنا....

سمعت كلامه وأجابته:" إنها أيام قليلة وسنهزم اليهود ونعود إلى بيتنا..". ثم أكملت دون صوت تحدث نفسها " أبوك أنه مشغول بتجارته في دمشق, وضني انه يخاف الحرب وسيبقى هناك ..".. شعرت بانزعاج عندما وصلت إلى هذا الحد من التفكير .. فأكملت إجابتها بصوت مسموع مخففة عن ابنها "انه عائد دون شك.. وسيصل في أي لحظة" . ثم التفتت إلى طفلها
الذي علا صوت بكاؤه ..وضعته في حضنها وأخرجت ثديها فانصرف وهو يقول:" لقد تعود على أكل البيضات المسلوقة فكيف سيكفيه الحليب؟"

كان الخبر الذي بثه راديو دمشق عن سقوط القنيطرة وكيف أن الطائرات المصرية قد دمرت وهي لم تقلع بعد إلى سماء سيناء. قد أشعره بأنه مرمي بحقل من العشب اليابس قد أودعه الجحيم بشرارات من نار وشاهد الحبور والأمل في فكي الشيطان. فقرر وعزم أمره ,...غافل أمه واخذ من سلة الثياب مسدسا دسه في ثيابه. وقبل المغيب نزل عبر طريق "البويب " نحو المرج عائدا إلى قريته .وصل بركة رام واختبأ وراء
أكمة من الحجارة, مستل مسدسه موجهه نحو القادم نحوه ...كاد أن يضغط على الزناد حين لمح في عتمة الليل جندي. إلا انه انزل مسدسه عندما تبين أن القادم نحوه ليس إلا جندي سوري. عرفه من ثيابه وليس من البندقية التي لم يكن يحملها.
تبادلا أطراف الحديث ففهم أن اليهود قد انتصروا فعلا. وأن الجيش لم يشتبك مع اليهود وأن بعض الضباط الكبار تركوا أرض المعركة وأن فرقا عسكرية قليلة قاتلت بشراسة, حتى حصدتها الطائرات الإسرائلية.

بقي في مكانه كما نصحه الجندي الذي استمر متوجها نحو الشرق, حتى شروق الشمس. فرأى ما جعله يركض
مسرعا صاعدا تلة العمورية نازلا تلة صدر العروس. تاركا من وراءه عشرات الجثث المنتشرة بشكل عشواء في حفر صنعتها صواريخ الطائرات. رأى وجه الشروق مثل وجه ميت .حاول احدهم السخرية منه فرسم على فمه ضحكة بلهاء بدهان احمر.


تذكر أمه وأخيه الصغير حين رأي في مدخل قريته جنود يهود . انبطح على الأرض في مكان يشاهدهم ولا يشاهدونه... " إنها فرصة لقتلهم والانتقام منهم .. "سحب مسدسه .. صوبه نحوهم.. إلا أنه توقف فجأة أمام اسئلة
خطرت بباله وشلت أصابعه القابضة على الزناد. " إنهم مثلنا .. بشر عاديون فكيف استطاعوا غلبتنا؟ لماذا هزمونا ؟..أين قادة جيشنا؟.. لماذا فروا.."
وتراى له الضابط نيازي رئيس المخفر وهو يفر مذعورا وهو الذي كان يشتم ويضرب
كل من غضب منه من سكان القرية دون سبب والذي كان فخورا ببذلته المكوية وحذاءه الأسود حين
وضعه على رقبة راع تأخر بإحضار الجبن الذي يحبه . فشعر ببهجة خاطفة سرعان ما لام نفسه عليها

أحس انه يسمع أخيه يبكي وأمه بلا حول ولا قوة قد جف ضرعها. تسارعت الأفكار والأسئلة في رأسه
هل أطلق النار هل أقوم بما لم يقوموا فيه .؟. قد أفتل.. أو يأسروني.. لماذا أنا متردد هكذا؟ ما الفرق بيني
وبين الجندي الذي رأيته أمس؟ لماذا أنا خائف ؟" عند هذا السؤال شعر بالعرق يجري من جبينه حتى بلل ذقنه
ربما اختلط مع دموع فرت من عينيه من شدة حنقه على نفسه.

فقام واقفا على قدميه دس المسدس في ثيابه وانعطف في شارع بحيث لا يراه جنود اليهود حتى وصل
بيته. دخل ألقن.. لم يشاهد الديك. جمع ما باضت الدجاجات .وضعهن في سلة فيها قش وانصرف عائدا إلى أخيه في المجدل.

داوود الجولاني





 
هل ترغب في إرسال تعليقك ؟ إضغط هنا